كتبت: شيماء حمدي

“الحوار لن يكون مجرد تبادل كلمات أو حيثيات أو حجج” … كلمات مقتبسة من تصريحات صحفية لنقيب الصحفيين ضياء رشوان خلال برنامج “مصر جديدة”، وذلك بعد أيام قليلة من اختياره كمنسق عام للحوار الوطنى.

كان رشوان قد طالب الصحفيين بإرسال مقترحاتهم ومطالبهم منذ الإعلان عن اختياره ودعوته ممثلا عن الصحفيين  لحضور الحوار الوطني وقبل تعيينه منسقا له.

وقد خصص النقيب بريدا إلكترونيا لتلقي الرؤى والتوصيات. وإن كنت أرى أنه كان من الأولى أن يكون هناك حوارا يجمع أعضاء الجمعية العمومية بنقيبهم داخل أروقة النقابة التي كانت في يوم من الأيام منبرا للدفاع عن الحريات، ورغم تقديم مذكرة رسمية جمعت عشرات التوقيعات لعقد جمعية عمومية طارئة لمناقشة أوضاع المهنة قبل بدء الحوار، لكن كان للنقيب رأيا آخر حيث لم يلتفت إلى هذه الدعوة أو لمثيلها.

على المستوى الشخصي لم أكن متحمسة بشكل كبير لإرسال ما أراه إلى السيد النقيب  وخاصة أن حال النقابة والمهنة عموما قد تدهورت أوضاعهما خلال السنوات الماضية والتي كان ضياء نقيبا لها لمدتين متتاليتين. لكن اختيار النقيب منسق عام للحوار، شجعني ودفعني إلى أن أرسل رسالة مفتوحة إلى نقيب الصحفيين على أمل أن تصله ويلتفت إليها، ولا يتم التعامل معها أو مع غيرها من المطالبات والرؤى كمعاملة المذكرات الرسمية والشكاوى التي ترسل للمجلس الذي يترأسه ولا يتم البت فيها أو حتى النظر إليها.

لا أعلم ما الآليات التي تم على أساسها اختيار الشخصيات التي ستقود أو ستنظم هذا الحوار، ولكني أتمنى أن يكون اختيار نقيب الصحفيين كمنسق عام للحوار قد جاء من منطلق إدراك الدولة لمكانة وأهمية هذه المهنة ودورها المنوطة به في المجتمع، لكن إن كان هناك نية حقيقة في عودة الصحافة إلى موقعها الحقيقي فعلى الدولة أن تدرك كم الأخطاء التي ارتُكبت في حق هذه المهنة.

 وبما أن النقيب أصبح جزءا أساسيا في قيادة هذا الحوار فهذا يعني أن هناك مسؤولية أكبر تقع على عاتقيه بأن ينتهي الحوار بمخرجات تطوي صفحة الأزمات والانتكاسات التي أنهكت هذه المهنة  وحاصرتها على مدار السنوات الماضية وتحديداً منذ العام 2015.

إن أي حديث عن مستقبل هذه المهنة دون الالتفات إلى زملائنا المحبوسين احتياطيا والذين يبلغ عددهم تقريبا 24 صحفيا، بالإضافة إلى الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية مثل ” هشام فؤاد”، فلا قيمة له.

 وإن كان النقيب يهمه المهنة وأبنائها حقا فعليه أن يضع نصب عينه زملائنا الصحفيين الذين أنهكتهم مرارة تجربة السجن دون جرم سوى عملهم الصحفي، وبما أن النقيب أصبح المنسق العام للحوار، فإن الإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المحبوسين هو أبسط المطالب التي في اعتقادي لابد أن تُنفذ في القريب العاجل.

لكن الحقيقة خروج زملائنا من غياهب السجون ليس كافيا لإنهاء مأساة الحبس الاحتياطي الذي كان أحد الأدوات التي حاصرت المهنة. ولذلك أرى أن هناك ضرورة في إعادة النظر إلى كافة القوانين التي أُصدرت خلال الأعوام الماضية وإدخال  تعديلات تشريعية على تلك التي تجيز حبس الصحفيين، وبخاصة تلك المواد التي تتحدث عن تهمة نشر الأخبار الكاذبة، والعودة إلى الدستور المصري الذي منع حبس الصحفيين في مادته 71 والتي تنص على أنه: ” ….. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون”.

 بالإضافة إلى المادة(47) التي نصت على أن: “حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني، وكذلك المادة 65 والتي تنص على أن :”حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”.

وأود أن أُذكر نقيب الصحفيين  أن الحديث عن التعديلات التشريعية لإنهاء أزمة الحبس الاحتياطي وعدم إجازة الحكم على الصحفيين في قضايا النشر، كانت إحدى توصيات وقرارات الجمعية العمومية التي انعقدت في إبريل لعام 2021، كما أن الإفراج عن كافة الصحفيين المحبوسين كان ضمن وعوده الانتخابية التي لم تتحقق بعد حتى الآن رغم قرب انتهاء فترته القانونية في ترأس مجلس النقابة.

وإلى جانب غلق ملف حبس الصحفيين، هناك ضرورة أيضا لإنهاء أزمة حجب المواقع الصحفية التي كانت وسيلة أساسية في محاصرة المهنة، والتي ترتب عليها أن بعضهم قرر الإغلاق مثل البديل والتحرير وغيرهم، ونتج عن ذلك تسريح الصحفيين العاملين ما زاد من نسبة البطالة بين صفوف الصحفيين، ولذا أرى أن النقيب بات مسؤولا عن المطالبة بفك حجب تلك المواقع والسماح بتعدد المنصات الصحفية ونقل الآراء المختلفة، فالدول تتخطى أزماتها بالحوار الحقيقي وتضافر الجهود وليس بالإقصاء وتسييد سياسة الصوت الواحد.

إن حرية الصحافة حق أصيل منحه الدستور والذي يعد المرجعية العليا للتشريع الذي يرسي القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ويقرر الحريات والحقوق العامة، فقد نصت المادة 70 منه على أن: “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة….”، وكذلك المادة 71 والتي حظرت بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. فضلا عن المادة 72 التي تنص على أن: “تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها، وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام”.

ولا يمكن الحديث عن حرية  الصحافة دون الحديث عن إتاحة المعلومات والبيانات، ولذلك أرى أنه قد حان الوقت لأن يرى قانون حرية تداول المعلومات النور بعد سنوات من الاختفاء داخل أروقة البرلمان وتحديدا منذ عام 2017، ذلك المشروع الذي أعدته لجنة ترأستها الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسي، وتضمن 28 مادة تنظم عملية إتاحة المعلومات، وتجبر مؤسسات الدولة المختلفة على إتاحتها وفقا لنصوص القانون إلا ما يتعارض منها مع «مقتضيات الأمن القومي»، وتعاقب كل من يمنعها أو يمنح الجمهور معلومات مغلوطة.

إن إتاحة المعلومات والبيانات والإحصائيات، قد تكون وسيلة فعالة ومهمة في محاربة الشائعات والأخبار الزائفة والمضللة، وهي حق أصيل كفله الدستور بموجب المادة 68 والتي نصت على أن: “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها….”.

وختاما إن بسط يد الصحافة المغلولة واحترام حرية الصحافة وتضافر الجهود هي الضمانة الوحيدة للنهوض بالأوطان، والخروج من الأزمات وتخطي المحن. ولذلك أتمنى وآمل أن يسعى نقيب الصحفيين في العمل جاهدا على إعادة المهنة إلى طريقها الصحيح بعد أن ضلته لسنوات، وطوي صفحة السيطرة والحصار وتكميم الأفواه.

تنويه: هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن رأي موقع “نقابة ميتر”، ولكنه يعبر عن رأي صاحبه