جاءت نتيجة القيد للحصول على عضوية نقابة الصحفيين مخيبة للآمال، حيث وقع الكثير من الزملاء الصحفيين في فخ التأجيل فيما تم رفض قيد زملاء آخرون- ورفض القيد هنا يعني أنه لا يحق للزميل الالتحاق بالنقابة، وعليه إعادة المحاولة مجددا بعد عامين كاملين.

حملت نتيجة اللجنة قسوة ذكرتني بالسنوات العسيرة الموجعة التي قضيتها بين مؤسسات صحفية استغلت حلم القيد بالنقابة أسوأ استغلال قبل التحاقي بالنقابة والحصول على عضوية -تحت التمرين- عام 2018. فهذه السنوات حملت كافة أنواع الاستغلال الممكنة، بداية من الاستغلال المادي والحصول على مكافآت زهيدة، وصولا إلى الحرمان من الترتيب الوظيفي، وتحمل التعنيف اللفظي من بعض الرؤساء، في ظل غياب تام لنقابة الصحفيين، التي ساهمت بشكل أو بآخر في وجود هذا المشهد الاستغلالي داخل أغلب المؤسسات الصحفية المتعارف عليه وموجود حتى كتابة هذه السطور.

إن قسوة المشهد الذي ظهر عقب نتائج لجنة القيد  لم يكن فقط في عشرات الصحفيين الذين تم تأجيل أو رفض قيدهم، لكن أيضا في المعايير غير الواضحة أو المعلن عنها والتي على أساسها تم التأجيل أو الرفض، فإلى الأن لم تتفضل لجنة القيد بذكر الأسباب التي دفعتهم لهذه القرارات، وفقا لما ينص عليه قانون نقابة الصحفيين 76 لسنة 1970.

فقد نصت المادة الـ 13 من قانون النقابة: “…. وعلى اللجنة أن تصدر قرارها خلال ستين يوما من تاريخ تقديم طلب القيد إليها، وفى حالة الرفض يجب أن يكون القرار مسببا. ويخطر الطالب بقرار اللجنة خلال أسبوعين من تاريخ صدوره بخطاب مسجل بعلم الوصول. ويقوم مقام الإخطار تسلم الطالب صورة منه بإيصال يوقع عليه”.

وفي مخالفة صريحة لهذه المادة لم تعلن لجنة القيد إلى الآن عن الأسباب أو المعايير التي تم اتباعها، وعلى أساسها تم رفض أو تأجيل الزملاء الصحفيين.

إن الحديث عن المعايير يجعلنا نؤكد على شروط القيد التي تضمنها قانون نقابة، والتي تمثلت في المادة الخامسة من قانون النقابة: “أن يكون صحفيا محترفا غير مالك لصحيفة…أن يكون من مواطنى الجمهورية …، أن يكون حسن السمعة لم يسبق الحكم عليه فى جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة أو تقرر شطب اسمه من الجدول لأسباب ماسة بالشرف أو الأمانة،  أن يكون حاصلا على مؤهل دراسى عال”.

بالإضافة إلى المادة الثامنة من قانون النقابة التي تحدد شروط قبول قيد الصحفي بجدول تحت التمرين والتي تتضمن الآتي: “على الصحفي تحت التمرين أن يمضى مدة التمرين في إحدى دور الصحف التى تصدر فى الجمهورية …  أو وكالة من وكالات الأنباء التى تعمل فيها. ويجوز بترخيص خاص من مجلس النقابة قضاء مدة التمرين فى الصحف ووكالات الأنباء فى الخارج”.

وبالتالي ووفقا لتلك النصوص فإن الحديث عن تأجيل أو رفض صحفي تقدم بأوراقه للجنة القيد لابد أن يكون بسبب مخالفة إحدى الشروط المنصوص عليها، دون ذلك فإن التأجيل أو الرفض ما هو سوى إطاحة وعصف بأحلام ومجهود هؤلاء، في ظل أوضاع تقتضي على المجلس المنتخب من قبل الجمعية العمومية، الإصطفاف خلف الصحفيين لمناصرتهم ونشلهم من الوضع الاستغلالي الذي يتعرضون له داخل المؤسسات الصحفية.

إن الهدف المعهود الذي من أجله تم تدشين النقابات المهنية، ليست وضع العراقيل والتعنت أمام ممارسي المهنة، لكن الهدف منها هو حماية الأعضاء والدفاع عن مصالحهم سواء داخل المؤسسات الصحفية أو خارجها، وتوفير الحماية الأمنية في ظل الملاحقات التي طالت العديد من الصحفيين، في ظل أوضاع تعاني منها الجماعة الصحفية خلال السنوات الماضية ولا زالت.

كل هذا ونحن نتحدث فقط على الصحفيين الذين أصابتهم خيبة الأمل في لجنة القيد الأخيرة سواء بالتأجيل أو الرفض دون أسباب حقيقية أو وجيهة. ولكن على الجانب الأخر هناك الآلاف من الصحفيين لازالوا في انتظار الأمل الذي قد يأتي في آخر النفق المظلم، آلاف الصحفيين ينتظرون معجزة إلهية تجعل مجالس النقابة المتعاقبة تنظر إليهم نظرة الاستحقاق بالقيد في النقابة، وليست نظرة المن أو التفضل.

كافة المجالس المتعاقبة وحتى الأن يعلمون جيدا ما يتعرض له الصحفيون داخل المؤسسات الصحفية من أوضاع استغلالية مشينة، دون أن يحركوا ساكنا لوقف هذه المهازل، فيما تستغل تلك المؤسسات صعوبة الانضمام لنقابة الصحفيين للإمعان في التنكيل بأبناء المهنة، الأمر الذي قد ينتهي بأن يختار الصحفي/ة أن يبتعد نهائيا عن المهنة بعد أن تمكن منهم الخذلان واليأس.

إن ترك الصحفيين للاستغلال الذي يتعرضون له داخل المؤسسات الصحفية على أمل القيد، تجعل الانتهاكات التي تتم بحقهم في تزايد مستمر، فخلال العاميين الماضيين انزاح الستار عن حالات من التحرش والانتهاكات الجنسية المختلفة داخل تلك المؤسسات للصحفيات تحت التمرين، دون أدنى تحرك من نقابة الصحفيين، الأمر الذي يجعلنا نتسأل ماذا تنتظر النقابة حتى توفر الحماية لأبناء المهنة؟ وما الغاية وراء عدم مراجعة تلك المؤسسات وإجبارهم على كتابة عقود للمتدربين الذين أتموا 6 أشهر من التدريب وفقا لقرار الجمعية العمومية الذي لم ينفذ على أرض الواقع، ولم تعير النقابة اهتماما لمتابعة تنفيذه.

إن الحديث عن النتائج المترتبة لأزمة القيد داخل نقابة الصحفيين يطول الحديث فيها وتختلف التقديرات، لكن الأكيد أن استمرار لجنة القيد بشكلها وطريقة تعاملها مع الأمر يعني قتل أحلام وطموح جيل كامل من الصحفيين.