على مدار عام تابعت أغلب المواقع الصحفية المصرية قضية الفتيات اللاتي يحاكمن الآن بسبب مقاطع الفيديو التي كن يبثونها عبر تطبيقي التيك توك ولايكي، والتي سميت إعلاميا بقضية فتيات “التيك توك”. أغلب المواقع الصحفية تابعت تلك القضية ليس من منظور البحث عن الحقيقة وتقديمها كاملة للمجتمع دون توجيه أو تحريض، لكن المتابعة جاءت من منطلق أن تلك القضية مادة خصبة لخلق حالة جدل عبر مواقع السوشيال ميديا لجذب الانتباه وتحقيق ربحية عن طريق  زيادة المشاهدات.

إن التناول الصحفي للقضية التي عرفت اعلاميا بـ” قضية التيك توك” حاطها الكثير من الخروقات والانتهاكات. ويعد ما حدث مع اليوتيوبر حنين حسام التي تحاكم الآن بتهمة الإتجار بالبشر أمام محكمة الجنايات، أبرز مثال على الانتهاكات الصارخة والواضحة وضوح الشمس التي تنتهجها أغلب المواقع الصحفية المصرية في حق تلك القضية وغيرها من القضايا التي لازالت داخل أروقة المحاكم.

لم تبدأ تلك الانتهاكات التي سيتم تفنيدها خلال السطور القادمة، مع بداية القضية في ساحات المحاكم، وإنما بدأت من قبل وجود أية اتهامات رسمية أو محضر تحقيقات، حيث تسارعت وتهافتت بعض الأبواق الإعلامية على كيل الاتهامات وتحريض وتقليب الرأي العام على حنين، فيما استخدمت المواقع الصحفية تلك التصريحات المكللة بالاتهامات المرسلة عبر الهواء لعمل موضوعات صحفية ونشرها عبر مواقعهم وصفحاتهم الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في محاولة للحصول على جزء من كعكة الترند قبل أن ينتهي.

ففي مساء 18 إبريل من عام 2020، كان الإعلامي المصري نشأت الديهي، مقدم برنامج بالورقة والقلم، قد نشر مقطعاً مصوراً لحنين، متهمها بأنها تحث فيه الفتيات على “ممارسة الفجور والدعارة، مقابل مبلغ مالي”.

ولم يكتف الديهي بتوزيع الاتهام بشكل واضح وصريح أما الرأي العام، لكنه أيضا دعا الشرطة ومباحث الإنترنت والنائب العام إلى القبض على حنين، مضيفاً: “اعرفوا مين دي… ومين اللي وراها وبيشغلها”.

نجح هذا الإعلامي فيما كان يريده وبالفعل ألقي القبض على حنين حسام وقدمت للمحاكمة، وقبل الجلسة الأولى لمحاكمتها كانت أغلب المواقع الصحفية قد تسابقت في نشر بعض التفاصيل عن حياة حنين الخاصة في انتهاك واضح وصريح لحرمة الحياة الخاصة التي يجرمها الدستور والقانون معا. 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما امتد لتسابق تلك المواقع لنشر تفاصيل التحقيقات التي تمت مع حنين  حسام ومودة الأدهم عبر مواقعهم الصحفية وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. الأمر الذي يتنافى تماما مع المادة العاشرة لميثاق الشرف الصحفي والتي تنص على أن: “يمتنع الصحفي عن تناول ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة في الدعاوى الجنائية أو المدنية، بطريقة تستهدف التأثير على صالح التحقيق أو سير المحاكمة، ويلتزم الصحفي بعدم إبراز أخبار الجريمة وعدم نشر أسماء وصور المتهمين أو المحكوم عليهم في جرائم الأحداث”.

إن ما حدث من تسريب للتحقيقات واستخدام أسماء المتهمات في عناوين صحفية براقة يهدد مبدأ عدالة المحاكمةـ كما أنه يعمل على التشهير بهن وهو ما يتنافى أيضا مع مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته،  فقد نص الدستور المصري على ذلك المبدأ في المادة 96 منه و التي نصت على: “المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه. وينظم القانون استئناف الأحكام الصادرة في الجنايات. وتوفر الدولة الحماية للمجني عليهم والشهود والمتهمين والمبلغين عند الاقتضاء، وفقاً للقانون.”، ومن قبله أيضا نص على هذا الحق دستور 1971 في المادة 67 على أن: “المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه. وكل متهم في جناية يجب أن يكون له محام يدافع عنه”. فبالرغم من اختلاف مضمون المادة في الدستور المصري القديم والمفعل الآن إلى أن مبدأ افتراض البراءة ظل مكفولا في الحالتين.

ووفقا لبحث قانوني نُشر في موقع “إنديانا لو ريفيو” الأميركي المتخصص في نشر الأبحاث القانونية، في مايو  عام 2017  فإن “القانون الأميركي مبنيٌّ على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته؛ لكن الإعلان عن القضايا ونشرها قبل انتهاء المحاكمات يؤدي إلى تآكل هذا المبدأ”. 

وأشار البحث إلى أن “التقارير المتعلقة بالجريمة تهيمن على وسائل الإعلام المحلية والإقليمية، وتنشر تفاصيل عن المتهمين والمشتبه بهم، قبل إدانتهم، وهذا الأمر يهدد عدالة محاكماتهم”. وعليه، طالب البحث المسؤولين “بحماية فرضية براءة المتهمين حتى تثبت إدانتهم من الآثار الضارة للتغطية الإعلامية”.

في الحقيقية لم يكن تسريب ونشر التحقيقات عبر المواقع الصحفية هو الانتهاك الأوحد لميثاق الشرف المهني، لكن الأمر امتد مع جلسات المحاكمات، سواء التي انتهت ببراءة حنين حسام في قضيتها الأولى والتي اتهمت فيها بالتعدي على القيم والمباديء الأسرية، أو التي تنظر إلى الآن أمام محكمة الجنايات بتهمة الإتجار بالبشر.

فقط تسابقت المواقع الصحفية في نقل تفاصيل لا تفيد الرأي العام بأي شيء وهي بعيدة تمام البعد عن تفاصيل القضية، مثل الاهتمام  بملابس حنين وشكلها واستخدامها لمساحيق التجميل ووصل الأمر إلى حديث بعض المواقع الصحفية عن اكتسابها بعض الوزن أثناء فترة حبسها. والأمر لم يتوقف فقط عند هذه النوعية من الأخبار التي لا تفيد المتلقي أو الرأي العام في شيء، لكنها استخدمت بطريقة تبدو وكأنها  للتحقير ولتقليب وتجييش للرأي العام ضدها، في عملية تحريضية صريحة وانتهاك لحرمتها الخاصة بامتياز.

وهذا أيضا يتنافى تماما مع ميثاق الشرف المهني في مادته الثانية التي تنص على ضرورة: “الالتزام بعدم الانحياز في كتاباته إلى الدعوات العنصرية أو المتعصبة، …..، أو تلك الداعية إلى التمييز أو الاحتقار لأي من طوائف المجتمع”. 

وكذلك المادة الأولى من الميثاق التي تنص على ضرورة: “الالتزام فيما ينشره بمقتضيات الشرف و الأمانة و الصدق بما يحفظ للمجتمع مثله وقيمه، وبما لا ينتهك حقا من حقوق المواطنين، أو يمس إحدى حرياته”.

إن  صرخات حنين التي دوت في قاعة المحكمة أثناء جلستها وهي تترجى الصحفيين عدم تصويرها، لم تحرك ساكنا لهؤلاء الصحفيين، بل استخدموها كمنشتات ومادة صحفية بطريقة أقل ما يوصف به بأنه مخالف لشرف المهنة، فإن كافة مواثيق الشرف المهنية تضع قواعد لنشر أخبار الجرائم، وتفرض شروطاً تتعلق بإخفاء أسماء المتهمين والإحجام عن نشر صورهم، حتى إسدال الستار على القضية بحكم محكمة نهائي بات لا نقض فيه ولا استئناف.

إن الصحافة في مصر أصبحت في حالة يرثى لها تخطت فيها كافة المواثيق والقوانين والمعاهدات وحتى أخلاقيات المهنة، وهو ما يبرر سبب انصراف القراء والجمهور عن الصحافة المصرية والبحث عن الحقيقة والصحافة المتعمقة في صحف ومواقع غير مصرية.

إن السعي واللهث وراء الترند واستخدام طريقة “صفراء” مشبوهة في تناول الموضوعات الصحفية لا تصنع جمهور، ولا تبني مؤسسات أو حتى مجتمع، وإذا كنا نتحدث عن ضرورة  احترام المجتمع المصري في كل مناسبة بداع أو بدون، فمن احترام المجتمع أيضا أن تحترم عقيلته وما تقدمه له، أن تحترم أفراده، حتى لو كان مخطأ وأصبح موضوعك الصحفي القادم، وهذا ما تحدث إليه وأكد عليه ميثاق الشرف المهني التي تناسته تلك المؤسسات وصحفيو الترند.